فصل: ذكر أشياء جرت لذي القرنين في المسير

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


قال ابن عباس‏:‏ خرج عليه كبش من الجنة قد رعاها قبل ذلك أربعين خريفًا وهو الكبش الذي قربه هابيل فنحره في منى‏.‏

وقال علي بن أبي طالب رضي اللهّ عنه‏:‏ كان كبشًا أبيض أقرن أعين مربوطًا بسَمُر في ثبير‏.‏

وقال الحسن‏:‏ أهبط عليه من ثبير‏.‏

قال وهب بن منبه وشعيب الجبائي وغيرهما‏:‏ كان ذلك بإيليا من أرض الشام‏.‏

ومن الأحداث في زمن الخليل عليه السلام احتيال نمرود في صعود السماء وبنيان الصرح رأى نمرود سلامة إبراهيم من النار وما آمن ثم زاد عتوه وتمرور فبقي أربعمائة عام لاتزيده الحجج إلا تماديًا‏.‏

ثم انه حلف ليطلبن إله إبراهيم‏.‏

قال السدي عن أشياخه‏:‏ أخذ نمرود أربعة أفرخ من فراخ النسور فرباهن باللحم والخمر حتى إذا كبرن وغلظن واستعلجن قرنهن بتابوت وقعد في ذلك التابوت ثم رفع رجلًا من لحم لهنَّ فطرن به حتى إذا ذهبن في السماء أشرف ينظر إلى الأرض فرأى الأرض تحته كأنها فلكة في ماء ثم صعد فوقع في ظلمة فلم يرما فوقه ولا ما تحته ففزع فألقى اللحم فاتبعته منقضّات فلما رأت الجبال ذلك كادت تزول فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبَال‏}‏‏.‏

فلما رأى أنه لم يطق شيئًا أخذ في بنيان الصرح فبناه ثم ارتقى ينظر وسقط الصرح وتبلبلت ألسن الناس يومئذ من الفزع‏.‏

قال زيد بن أسلم‏:‏ بعث اللّه إلى نمرود ملكًا أن آمن بي وأتركك على ملكك‏.‏

قال‏:‏ فهل ربّ غيري‏.‏

فأتاه الثانية فقال له ذلك فأبى عليه ثم أتاه الثالثة فقال له ذلك فأبى عليه فقال له الملك‏:‏ اجمع جموعك إلى ثلاثة أيام فجمع جموعه فأمر اللّه الملك ففتح عليه بابًا من البعوض وطلعت الشمس فلم يروها من كثرتها فبعثها الله عليهم فأكلت لحومهم وشربت دماءهم فلم يبق إلا العظام والجباركما هو لم يصبه من ذلك شيء فبعث اللهّ عليه بعوضة فدخلت في منخره فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق وأرحم الناس به من جمع يديه ثم ضرب بهما رأسه فعذبه الله أربعمائة عام كما ملكه وأماته اللّه‏.‏

وهو الذي بنى صرحًا إلى السماء فأتى اللّه بنيانه من القواعد وهو قال اللّه‏:‏ ‏{‏فأتى الله بنيانهم من القواعد‏}‏‏.‏

وقد ذكرنا أن قومًا يقولون نمرود هو الضحاك الذي سبق ذكره وليس كذلك لأن نسب نمرود في النَبَط ونسب الضحاك في عجم الفرس‏.‏

وذكر قوم أن الضحاك ضم إلى نمرود السَّواد وما اتصل بها وكان عاملًا له وكانت ولايته‏.‏

بابل من قبل الضحاك فلما ملك أفريدون وقهر الضحاك قتل نمرود وشرد النبط‏.‏

والله أعلم‏.‏

ومن الأحداث في زمن الخليل عليه السلام وكان إبراهيم بفلسطين وإسماعيل إلى جرهم ولوط إلى سدوم ويعقوب إلى أرض كنعان فهؤلاء كلهم أرسلوا في زمانه‏.‏

ومن الأحداث في أيام الخليل عليه السلام هلاك قوم لوط قد ذكرنا أن لوطًا عليه السلام هاجر مع عمه إبراهيم عليه السلام مؤمنًا به متبعًا له على دينه إلى الشام معهما سارة‏.‏

وقد قيل‏:‏ كان معهم تارخ أبو إبراهيم وهو على غير دينه حتى صاروا إلى حران فمات تارخ بحران على كفره‏.‏

وشخص إبراهيم ولوط وسارة إلى الشام واختتن لوط مع إبراهيم ولوط ابن ثلاث وخمسين سنة ثم مضوا إلى مصر فصادفوا هناك فرعونا من فراعنتها ويقال له أخو الضحاك وجهه الضحاك عاملًا عليها من قبله فرجعوا عودًا على بدئهم إلى الشام فنزل إبراهيم فلسطين ونزل لوط الأردن فأرسل اللهّ تعالى لوطًا وذلك في وسط عمر إبراهيم‏.‏

وهو‏:‏ لوط بن هاران بن تارخ ورأيت بخط أبي الحسين بن المنادي‏:‏ هازن بالزاء المعجمة من غير ألف‏.‏

بعث إلى أهل سَدُوم فكانوا أهل كفر باللّه وركوب الفاحشة‏.‏

قال مجاهد‏:‏ كان بعضهم يجامع بعضًا في المجالس‏.‏

قال العلماء بالسير‏:‏ كان لوط يدعوهم إلى عبادة اللّه وينهاهم عن الفاحشهَ ولا يزجرهم وعيده ولا يزيدهم إلا عتوًا فسأل اللّه تعالى أن ينصره عليهم فبعث اللّه تعالى جبرئيل وميكائيل وإسرافيل فأقبلوا مشاة في صورة رجال شباب فنزلوا على إبراهيم وكان قد احتبس عنه الضيف أيامًا ففرح بهم ورآهم في غاية الحسن والجمال فقام يخدمهم فجاء بعجل سمين فأمسكوا فقال‏:‏ ألا تأكلون‏.‏

فقالوا‏:‏ لا نأكل طعامًا إلا بثمنه قال‏:‏ فإن له ثمنًا قالوا‏:‏ وما هو‏.‏

قال‏:‏ تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره فنظر جبرئيل إلى ميكائيل وقال‏:‏ حق لهذا أن يتخذه اللّه خليَلاَ ثم رأى إمساكهم ففزغ منهم وظنهم لصوصًا قالوا‏:‏ لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط فضحك سارة تعجبًا وقالت‏:‏ لحقتم بابنا ولا تأكلون طعامنا‏.‏

فقال جبرئيل‏:‏ أيتها الضاحكة أبشري بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب وكانت بنت تسعين سنة وإبراهيم ابن مائة وعشرين سنة‏.‏

فلما سكن روعه وأعلموا لماذا أرسلوا فناظرهم في ذلك كما قال اللهّ عز وجل‏:‏ ‏{‏فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط‏}‏‏.‏

وكان جداله إياهم أن الملائكة قالوا‏:‏ ‏{‏إنا مهلكوا أهل هذه القرية‏}‏‏.‏

فقال لهم‏:‏ أتهلكون قرية فيها أربعمائة مؤمنون‏.‏

قالوا‏:‏ لا قال‏:‏ ثلاثمائة‏.‏

قالوا‏:‏ لا قال مائتان قالوا‏:‏ لا قال‏:‏ مائة قالوا لا قال‏:‏ أربعون قالوا لا قال‏:‏ أربعة عشر قالوا‏:‏ لا‏.‏

وكان يعدهم أربعة عشر مع امرأة لوط‏.‏

فسكت واطمأنت نفسه‏.‏

هذا قول سعيد بن جبير‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ قال الملك لإبراهيم‏:‏ إن كان فيها خمسة يصلون رفع عنهم العذاب‏.‏

قال حذيفة‏:‏ جاءت الرسل لوطًا وهو في أرض له يعمل فيها وقد قيل لهم واللّه أعلم‏:‏ لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط فأتوه فقالوا‏:‏ إِنّا مضيفوك الليلة‏.‏

فانطلق بهم فلما مشى ساعة التفت فقال‏:‏ أما تعلمون مايعمل أهل هذه القرية واللهّ ما أعلم على ظهر الأرض ناسًا أخبث منهم‏.‏

فانطلق بهم فلما بصرت عجوز السوء امرأته بهم انطلقت وأنذرتهم‏.‏

وقال السدي عن أشياخه‏:‏ لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط أتوهم نصف النهار فلما بلغوا نهرسدوم لقوا ابنة لوط تستقي الماء لأهلها وكانت له ابنتان اسم الكبرى ريثا والصغرى رعرثا فقالوا لها‏:‏ يا جارية هل من منزل‏.‏

قالت‏:‏ نعم مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فزعت عليهم من قومها فأتت أباها فقالت يا أبتاه أدركت فتيانًا على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم هي أحسن من وجوههم لا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلًا فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل بيت لوط فخرجت امرأته فأخبرت قومها وقالت إن في بيت لوط رجالًا مارأيت مثل وجوههم قط‏.‏

فجاء قومه يهرعون إليه‏.‏

قال علماء السير‏:‏ فلما أتاه قومه جعل يلطف بهم ويقول‏:‏ اتقوا اللهّ ولا تخزوني في ضيفي‏.‏

ويقول‏:‏ هؤلاء بناتي أهن أطهر لكم مما تريدون ‏"‏‏.‏

فلما لم يلتفتوا إلى قوله قال‏:‏ ‏{‏لَوْ أن لِي بِكُمْ قوَّةً‏}‏ أي‏:‏ لو أن لي أنصارًا ينصرونني عليكم أو عشيرة يمنعونني منكم لحلت بينكم وبين ما جئتم‏.‏

فلما اشتد الأمر عليه قالت له الرسل‏:‏ إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فقال‏:‏ أهلكوهم الساعة‏.‏

فقال جبرئيل‏:‏ إن موعدهم الصبح‏.‏

فطمس جبرئيل أعينهم فقالوا‏:‏ يا لوط جئتنا بقوم سحرة كما أنت حتى تصبح‏.‏

فأمر أن يُسري بأهله فخرج وقت سحر ثم أدخل جبرئيل جناحه في أرضهم فرفعها وكانت خمس قريات أعظمها سدوم حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب فجعل عاليها سافلها ورموا بالحجارة فكانوا أربعآ آلاف ألف وتبعت الحجارة شذاذ القوم وسمعت امرأة لوط الهدة فقالت‏:‏ واقوماه فأدركها حجر فقتلها‏.‏

وتوفي لوط وهو ابن ثمانين سنة وعلى مقتضى الحساب يكون وفاة لوط قبل إبراهيم بسنين كثيرة‏.‏

ومن الحوادث في أيام الخليل عليه السلام فإنها توفيت بالشام وقيل‏:‏ ماتت بأرض كنعان وهي بنت مائة وسبع وعشرين سنة فدفنت بمزرعة اشتراها إبراهيم‏.‏

وأما هاجر فقد ذكرنا في الحديث الصحيح أنها ماتت بمكة قبل بناء البيت‏.‏

ومن الحوادث تزوج الخليل بعد سارة قال ابن إسحاق‏:‏ لما ماتت سارة تزوج بعدها من الكنعانيين من العرب العاربة واسمها قَنْطورا بنت يقطان‏.‏

ويقال‏:‏ بنت مقطور وقد قال حذيفة‏:‏ يوشك بنو قنطورا أن يخرجوا أهل البصرة منها‏.‏

قال شيخنا أبو منصور اللغوي‏:‏ يقال ان قنطورا كانت جارية لإبراهيم فولدت أولادًا والترك من نسلها‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ ولدت له قنطورا ستة نفر‏:‏ منهم مدين وأولاده الذين أرسل إليهم شعيب وقيل‏:‏ تزوج أخرى اسمها حجون فولدت له خمس بنين‏.‏

وكان ممن يتبع في زمن ابرِاهيم الخليل عليه السلام ذو القرنين وإن كانوا قد اختلفوا في زمان كونه‏.‏

فروي عن علي رضي الله عنه أنه قال‏:‏ كان من القرون الأول من ولد يافث بن نوح‏.‏

وقيل‏:‏ انه من ولد عيلم بن سام‏.‏

وانه ولد بأرض الروم حين نزلها ولد سام‏.‏

وقال الحسن البصري‏:‏ كان بعد ثمود‏.‏

وذكر أبو الحسين بن المنادي أنه كان في زمان فقد روى الفضل بن عطية عن عطاء عن ابن عباس‏:‏ أن ذا القرنين لقي إبراهيم الخليل بمكة فسلم عليه وصافحه واعتنقه‏.‏

وجاء في حديث آخر‏:‏ أن إبراهيم الخليل كان جالسًا في مكان فسمع صوتًا فقال‏:‏ ما هذا الصوت قيل له‏:‏ هذا ذو القرنين في جنوده‏.‏

فقال لرجل عنده‏:‏ إئت ذا القرنين وأقرئه مني السلام فأتاه فقال‏:‏ إن إبراهيم يقرأ عليك السلام قال‏:‏ ومن إبراهيم‏.‏

قال‏:‏ خليل الرحمن قال‏:‏ وإنه لها هنا‏.‏

قال‏:‏ نعم فنزل عن فرسه ومشى فقيل له‏:‏ إن بينك وبينه مسافة فقال‏:‏ ما كنت أركب في بلد فيه إبراهيم فمشى إليه فسلم عليه وأوصاه وأهدى إليه إبراهيم بقرًا وغنمًا‏.‏

واختلف العلماء في اسم ذي القرنين على أربعة أقوال‏:‏ أحدها‏:‏ عبد الله‏.‏

قاله علي رضي الله عنه‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ اسمه عبد الله بن الضحاك‏.‏

والثاني‏:‏ الإسكندر قاله وهب‏.‏

وقيل‏:‏ هو الإسكندر بن قيصر‏.‏

قاله أبو الحسين ابن المنادي وكان قيصر هذا أول القياصرة وأقدمهم وإنما سمي بذي القرنين بعد ذلك بزمان طويل‏.‏

والثالث‏:‏ عياش قاله محمد بن علي بن الحسين‏.‏

والرابع‏:‏ الصعب بن جاثر بن القلمس‏.‏

ذكره أبو بكر بن أبي خيثمة‏.‏

واختلفوا هل كان نبيًا أم لا‏.‏

فقال عبدالله بن عمرو وسعيد بن المسيب والضحاك بن مزاحم‏:‏ كان نبيًا‏.‏

وخالفهم الأكثرونْ في هذا فروينا عن علي رضىِ الله عنه أنه قال‏:‏ كان عبدًا صالحًا أمر قومه بتقوى الله لم يكن نبيًا ولا ملكًا‏.‏

وقال وهب‏:‏ كان ملكًا ولم يوح إليه‏.‏

وقال أحمد بن جعفر المنادي‏:‏ كان على دين إبراهيم‏.‏

واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين‏.‏

على عشرة أقوال‏:‏ أحدها‏:‏ أنه دعا قومه إلى الله تعالى فضربوه على قرنه فهلك فغبر زمانًا ثم بعثه اللّه تعالى فدعاهم إلى الله فضربوه على قرنه الآخر فهلك فذلك قرناه‏.‏

قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه في رواية‏.‏

والثاني‏:‏ انه سمي بذي القرنين لأنه سار إلى مغرب الشمس وإلى مطلعها رواه أبوصالح عن ابن عباس‏.‏

وأخبرنا محمد بن عمر الأرموي أخبرنا أبو الحسين بن المهتدي أخبرنا عمر بن شاهين حدثنا محمد بن سليمان الباغندي حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة قال‏:‏ حدثني زائدة عن سماك بن حرب عن حبيب بن جادم قال‏:‏ قال رجك لعلي رضي اللّه عنه‏:‏ كيف بلغ ذو القرنين المشرق والمغرب‏.‏

فقال علي‏:‏ سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له النور‏.‏

وفي رواية أخرى عن علي رضي الله عنه أنه قال‏:‏ كان عبدًا صالحًا ناصح لله وأطاعه فسخر له والثالث‏:‏ لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس‏.‏

والرابع‏:‏ لأنه رأى في النوم كأنه امتد من السماء إلى الأرض فأخذ بقرني الشمس فقص ذلك على قومه فسمي بذي القرنين‏.‏

والخامس‏:‏ لأنه ملك فارس والرّوم‏.‏

والسادس‏:‏ لأنه كان في رأسه شبه القرنين‏.‏

رويت هذه الأقوال الأربعة عن وهب ابن منبه‏.‏

والسابع‏:‏ لأنه كانت له غديرتان من شعر‏.‏

قاله الحسن‏.‏

قال أبو بكر بن الأنباري‏:‏ والعرب تسمى الضفيرتين من الشعر غديرتين وضفيرتين وقرنين‏.‏

ومن قال سمي بذلك لأنه ملك فارس والروم قال‏:‏ لأنهما عاليان على جانبين من الأرض فقال لهما قرنان‏.‏

والثامن‏:‏ لأنه كان كريم الطرفين من أهل بيت ذوي شرف‏.‏

والتاسع‏:‏ لأنه انقرض في زمانه قرنان من الناس وهو حي‏.‏

والعاشر‏:‏ لأنه سلك الظلمة والنور‏.‏

ذكر هذه الأقوال الأربعة أبو إسحاق الثعلبي‏.‏

قال مجاهد‏:‏ ملك الأرض أربعة مؤمنان وكافران فالمؤمنان‏:‏ سليمان بن داود وذو القرنين والكافران‏:‏ نمرود وبخت نصر‏.‏

قال أبو الحسين أحمد بن جعفر‏:‏ زعموا أن ذا القرنين أحد عظماء ملوك الأرض إلا أن الله أعطاه مع ذلك التوحيد والطاعة واصطناع الخير ومدّ له في الأسباب وأعانه على أعدائه وفتح المدائن والحصون وغلب الرجال وعمر عمرًا طويلًا بلغ فيه المشارق والمغارب وبنى السد فيما بين الناس وبين يأجوج ومأجوج وكان في ذلك رحمة للمؤمنين وحرزًا منيعًا من البلاء الذي لاطاقة لهم به‏.‏

ذكر طرف من أخباره روى أبو الحسين بن المنادي بإسناد له عن عتبة بن عامر الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ذا القرنين فقال‏:‏ ‏"‏ إن أول أمره أنه كان غلامًا من الروم أعطي ملكًا حتى أتى أرض مصر فابتنى عندها مدينة يقال لها الاسكندرية فلما فرغ من بنائها أتاه ملك فعرج به فقال له‏:‏ انظر ما تحتك قال‏:‏ ما أرى مدينتي وأرى مدائن معها ثم عرج به فقال له‏:‏ انظر فقال‏:‏ قد اختلطت المدائن ثم زاد فقال له‏:‏ انظر فقال‏:‏ أرى مدينتي وحدها لا أرى غيرها فقال له الملك‏:‏ إنما تلك الأرض كلها وهذا السواد الذي ترى محيطًا به البحر وإنما أراد اللهّ أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطانًا فيها فسر في الأرض علّم الجاهل وثبت العالم‏.‏

فسار حتى بلغ مغرب الشمس ثم أتى السدين وهما جبلان لينان ينزل عنهما كل شيء فبنى السد ثم سار فوجد يأجوج ومأجوج يقاتلون قومًا وجوههم كوجوه الكلاب ثم قطعهم فوجد أمة قصارًا يقاتلون الذين وجوههم كوجوه الكلاب ثم مضى فوجد أمة من الغرانيق يقاتلون القوم القصار ثم مضى فوجد أمة من الحيّات تلتقم الحية منها الصخرة العظيمة ثم أفضى إلى البحر المدير بالأرض‏.‏

وروى أبو الحسين بإسناد له عن علي بن الحسين بن علي عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب رضي اللهّ عنهم أنه قال‏:‏ كان ذو القرنين عبدًا صالحًا وكان قد ملك ما بين المشرق والمغرب وكان له خليل من الملائكة اسمه رفائيل يأتي ذا القرنين ويزوره فبينما هما يومًا يتحدثان قال ذو القرنين‏:‏ يا رفائيل حدثني كيف عبادتكم في السماء فبكى رفائيل وقال‏:‏ يا ذا القرنين وما عبادتكم عند عبادتنا ان في السموات من الملائكة هو قائم أبدًا لا يجلس ومنهم الساجد لا يرفع رأسه أبدًا ومنهم الراكع لا يستوي قائمًا أبدًا ومنهم الرافع وجهه لا يجلس أبدًا وهم يقولون‏:‏ سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح ربنا ما عبدناك حق عبادتك‏.‏

فبكى ذو القرنين بكاء شديدًا ثم قال‏:‏ يا رفائيل إني لأحب أن أعيش فأبلِغ من عبادة ربي حقَّ طاعته‏.‏

فقال رفائيل‏:‏ أوتحب ذلك قال‏:‏ نعم قال‏:‏ فإن للّه عيناَ في الأرض تسمى عين الحياة فيها عزيمة أنه من شرب منها شربة إنه لن يموت حتى يكون هو الذي يسأل الموت‏.‏

قال ذو القرنين‏:‏ فهل تعلمون أنتم موضع تلك العين فقال رفائيل‏:‏ لا غير أننا نتحدث في السماء أن للهّ في الأرض ظلمة لا يطؤها إنس ولا جان فنحن نظن أن تلك العين هي التي في تلك الظلمة فجمع ذو القرنين حكماء أهل الأرض وأهل دراسة الكتب وآثار النبوة وقال‏:‏ أخبروني هل وجدتم فيما قرأتم من كتب الله وما جاءكم من أحاديث الأنبياء وحديث من كان قبلكم من العلماء أن الله وضع في الأرض عينًا سماه عين الحياة فقالت العلماء‏:‏ لا فقال ذو القرنين‏:‏ فهل وجدتم فيها أن الله وضع في الأرض ظلمة لا يطؤها إنس ولا جان‏.‏

قالوا‏:‏ لا فقال عالم من العلماء واسمه أفشنجير‏:‏ أيها الملك لم تسأل عن هذا‏.‏

فأخبره بالحديث وما قال له رفائيل في العين والظلمة فقال‏:‏ أيها الملك إني قرأت وصية آدم فوجدت فيها أن الله وضع في الأرض ظلمة لا يطؤها إنس ولا جان فقال ذو القرنين‏:‏ فأي أرض وجدتها في الأرض‏.‏

قال‏:‏ وجدتها على قرن الشمس‏.‏

فبعث ذو القرنين في الأرض فحشر الناس إليه الفقهاء والأشراف والملوك ثم سار يطلب مطلع الشمس فسار إلى أن بلغ طرف الظلمة ثنتي عشرة سنة فإذا الظلمة ليست بليل وظلمة تفور مثل الدخان فعسكَرثم جمع علماء عسكره فقّال‏:‏ إني أريد أن أسلك هذه الظلمة فقالت العلماء‏:‏ أيها الملك إنه من كان قبلك من الأنبياء لم يطلبوا هذه الظلمة فلا تطلبها فإنّا نخاف أن يتفق عليك منها أمر تكرهه ويكون فيها فساد الأرض فقال‏:‏ ما بد من أن أسلكها فخرت العلماء سجدًا وقالوا‏:‏ أيها الملك كف عن هذه الظلمة ولا تطلبها فإنا لو نعلم أنك إن طلبتها ظفرت بما تريد ولكنا نخاف العتب من اللّه ويتفق عليك أمر يكون فيه فساد الأرض وما عليها فقال‏:‏ ما بد من أن أسلكها فقالت العلماء‏:‏ شأنك بها فقال ذو القرنين‏:‏ أي الدواب بالليل أبصر‏.‏

قالوا‏:‏ الخيل قال‏:‏ فأيها أبصر‏.‏

قالوا‏:‏ الإناث أبصر قال‏:‏ فأي الإناث‏.‏

قالوا‏:‏ البكارة‏.‏

فأرسل ذو القرنين فجمع له ستة آلاف فرس أنثى بكارة ثم انتخب من أهل عسكره أهل الجلد والعقل ستة آلاف رجل فدفع إلى كل رجل فرسًا وعقد للخضر على مقدمته على ألفين وكان الخضر وزير ذي القرنين وهو ابن خالته‏.‏

وبقي ذو القرنين في أربعة آلاف فقال ذو القرنين للناس‏:‏ لا تبرحوا من عسكركم هذا اثنتي عشرة سنة فإن نحن رجعنا إليكم فذلك وإلا فارجعوا إلى بلادكم فقال الخضر‏:‏ أيها الملك إنا نسلك ظلمة لا ندري كم السير فيها ولا يبصر بعضنا بعضًا فكيف نصنع بالضلال إذا أصابنا فدفع ذو القرنين إلى الخضر خرزة حمراء فقال‏:‏ حيث يصيبك الضلال فاطرح هذه الخرزة إلى الأرض فإذا صاحت فليرجع إليها أهل الضُّلال‏.‏

فسار الخضر بين يدي في القرنين يرتحل ونزل ذو القرنين وقد عرف الخضر ما يطلب ذو القرنين وذو القرنين يكتم الخضر‏.‏

فبينما الخضر يسير إذ عارضه واد فظن الخضر أن العين في الوادي فلما قام على شفير الوادي قال لأصحابه‏:‏ قفوا ولا يبرحن رجل من موقفه ورمى بالخرزة في الوادي فمكث طويلًا ثم أضائته الخرزة وطلب صوتها فانتهى إليها فإذا هي على حافة العين فنزع الخضر ثيابه ثم دخل العين فإذا ماء أشد بياضًا من اللبن وأحلى من الشهد فشرب واغتسل وتوضأ ثم خرج فلبس ثيابه ثم رمى بالخرزة نحو أصحابه فصاحت فرجع الخضر إلى صوتها وإلى أصحابه فأخذها وركب فسار‏.‏

ومرّ ذو القرنين فأخطأ الوادي فسلكوا تلك الظلمة أربعين يومًا وأربعين ليلة فخرجوا إلى ضوء ليس بضوء شمس ولا قمر وأرض حمراء ورملة‏.‏

وإذا قصر مبني في تلك الأرض طوله فرسخ في فرسخ مسور ليس عليه باب فنزل ذو القرنين بعسكره ثم خرج وحده حتى دخل القصر فإذا حديدة طرفاها على حافتي القصر وإذا طائر أسود كأنه الخطاف أو شبه بالخطاف مذموم بأنفه إلى الحديدة معلق بين السماء والأرض فلما سمع الطائر خشخشة ذي القرنين قال‏:‏ من هذا قال‏:‏ اُنا ذو القرنين فقال الطائر‏:‏ يا ذا القرنين أما كفاك ما وراءك حتى وصلتَ إلي يا ذا القرنين حدثني هل كثر البناء بالأجر والجص‏.‏

قال‏:‏ نعم‏.‏

فانتفض الطائر انتفاضة ثم انتفخ فبلغ ثلث الحديدة ثم قال‏:‏ هل كثرت شهادات الزور في الأرض‏.‏

قال‏:‏ نعم‏.‏

فانتفض الطائر ثم انتفخ فبلغ ثلثي الحديدة ثم قال‏:‏ يا ذا القرنين‏:‏ حدثني هل كثرت المعازف في الأرض قال‏:‏ نعم‏.‏

فانتفض ثم انتفخ فملأ الحديدة وسد ما بين جداري القصر فاجتث ذو القرنين فرحًا فقال الطائر‏:‏ هل ترك الناس شهادة أن لا إله إلا اللهّ‏.‏

قال‏:‏ لا فانضم الطائر ثلثًا ثم قال‏:‏ هل تركت الصلاة المفروضة‏.‏

قال‏:‏ لا فانضم الطائر ثلثًا ثم قال‏:‏ هل ترك الناس غسل الجنابة قال‏:‏ لا فعاد الطائر كما كان ثم قال‏:‏ يا ذا القرنين اسلك هذه الدرجة إلى أعلى القصر فسلكها فإذا سطح وعليه رجل قائم فلما سمع خشخشة ذي القرنين قال‏:‏ من هذا‏.‏

قال‏:‏ أنا ذو القرنين قال‏:‏ يا ذا القرنين أما كفاك ما وراءك حتى وصلت إليّ قال‏:‏ ومن أنت قال‏:‏ أنا صاحب الصور وإن الساعة أقتربت وأنا أنتظر أمر ربي أن أنفخ فأنفخ‏.‏

ثم ناوله حجرًا فقال‏:‏ خذها فإن شبع شبعت وإن جاع جعت فرجع به إلى أصحابه فوضعوا الحجرفي كفه ووضعوا حجرًا آخر مقابله فإذا به يميل فتركوا آخر كذلك إلى ألف حجر فمال ذلك الحجر بالكل‏.‏

فأخذ الخضر كفًا من تراب وتركه في احدى الكفتين وأخذ حجرًا من تلك الحجارة فوضعه في الكفة الأخرى وترك معه كفًا من تراب فوضعه على الحجر الذي جاء به ذو القرنين فاستوى في الميزان فقال الخضر‏:‏ هذا مثل ضرب لكم إن ابن آدم لا يشبع أبدًا دون أن يحثى عليه التراب كما لم يشبِع هذا الحجر حتى وضعت عليه التراب‏.‏

قال‏:‏ صدقت يا خضر لا جرم لا طلبت أثراَ في البلاد بعد مسيري هذا فارتحل راجعًا حتى إذا كان في وسط الظلمة وطىء الوادي الذي فيه زبرجد فقال من معه‏:‏ ما هذا الذي تحتنا فقال ذو القرنين‏:‏ خذوا منه فإنه من أخذ ندم ومن ترك ندم‏.‏

فأخذ قوم وترك قوم فلما خرجو من الظلمة إذا هو بزبرجد فندم الآخذ والتارك‏.‏

ثم رجع ذو القرنين إلى دومة الجندل وكانت منزله فأقام بها حتى مات‏.‏

قال الحسن البصري‏:‏ ان ذا القرنين كان يركب وعلى مقدمته ستمائة ألف وعلى ساقته ستمائة ألف‏.‏

كتاب أم الإسكندر إليه قال كعب الأحبار‏:‏ إن أم ذي القرنين كانت حازمة عاقلة فلما بلغها أن ابنها قد فتح المدائن واستعبد الرجال ودانت له الملوك كتبت إليه‏.‏

بسم اللهّ الرحمن الرحيم‏.‏

من روقية أم الإسكندر إلى الإسكندر الموتى له الضعيف الذي بقوة ربه قوي وبقدرته قهر وبعزته استعلى يا بني لا تدع للعجب فيك مساغًا فإن ذلك يرديك ولا تدع للعظمة فيك مطمعًا فإن ذلك يضعفك يا بني ذلل نفسك للذي رفعك‏.‏

واعلم أنك عن قليل محوَّل عما أنت فيه يا بني إياك والشح فإن الشح يرديك ويزري بك وانظر هذه الكنوز التي جمعتها أن تعجل حملها إليّ كلها مع رجل مفرد على فرس أجرد‏.‏

فلما ورد عليه الكتاب جمع الناس فقال‏:‏ انظروا فيما كتبت أمي وسألتني فيه‏:‏ أن أرسل بهذه الأموال فقالوا‏:‏ وكيف السبيل إلى حملها على فرس فقال‏:‏ هل عندكم غير هذا‏.‏

قالوا‏:‏ لا فدعا كاتبه فقال‏:‏ أكتب كلَّ مال جمعته فاحصه واجعله في كتاب وبين مواضعها وعدتها ففعل الكاتب ثم ختم الكتاب وحمل رجل على فرس ثم قال له‏:‏ امض بهذا الكتاب إلى أمي ثم قال لهم‏:‏ إنما سألتني أمي أن أبعث إليها بعلم مالي أجمع ومواضعها‏.‏

قال‏:‏ إن ذلك إلى اليوم معروف بالروم في بيت مملكتهم وبيوت أموالهم يجدون علم ذلك في أرض كذا وكورة كذا وموضع كذا وكذا ومن المال كذا وكذا مما كنزه الإسكندر وكان اللهّ لم يجعل فيه من الحرص شيئًا ولم يجمع الدنيا إلا ما كان يسر بمن معه فيقويهم على ذلك وكان مسيرة ذلك رحمة للمؤمنين‏.‏

صفة بناءالسد ذكر أبو الحسين بن المنادي عن الموجود في أيدي الفرس عن كتبهم الموروثة‏:‏ أن ذا القرنين لما عزم على المسير إلى مطلع الشمس أخذ على طريق كابل في الهند وتبت فتلقته الملوك بالهدايا العظيمة والتحايا الكريمة والطاعة والأموال إلى أن صار إلى الأرض المنتنة السوداء فقطعها سيرًا في شهر ثم جاءته الأدلاء فانتهوا به إلى الحصون الشامخة والمدن المعطلة من أهلها وقد بقيت منهم فيها بقايا سألوه بأجمعهم أن يسد عنهم الفج الذي بينهم وبين يأجوج ومأجوج فسار إليه ونزل بجيشه العظيم الهائل ومعه الفلاسفة والصناع والحدادون فاتخذ قدور الحديد الكبار والمغارف الحديدية وأمر أن يجعل كل أربعة من تلك القدور على ديكدان طول كل واحد خمسين ذراعًا أو نحوها وأمر الصناع أن يضربوا اللبن الحديد فاتخذوا النحاس والحديد وأضرموا عليه النار فصارت حجارة لم ير الناس مثلها كأنها تشبه جبل السد‏.‏

طول كل لبنة ذراع ونصف بالذراع الأعظم وسمكها شبر‏.‏

فما زالوا يبنون السد من جانب الجبل وجعل في وسطه بابأ عظيمًا طوله أقل من عرضه فالعرض مائة ذراع كل مصراع خمسين ذراعًا والطول خمسين ذراعًا وعليه قفل عظيم نحو عشرة أذرع وفوقه بأذرع غلق أطول من ذلك القفل‏!‏ وكل ذلك أملس كملاسة الجبل وبلونه‏.‏

فذكروا أنه لما فرغ من بناء السد أمر بالنار فاضرمت عليه من أسفله إلى أعلاه فصار معجونًا كأنه حجر واحد مثل الجبل سواء فلما فرغ من بنائه مال راجعًا بعد أن لقي الأمم التي خلف يأجوج ومأجوج‏.‏

قال أبو الحسين‏:‏ وبلغني عن خردا ذبه قال‏:‏ حدثني سلام الترجمان‏:‏ أن الواثق لما رأى في المنام أن السد الذي سده ذو القرنين ببناء بين يأجوج ومأجوج انفتح وجهني فقال‏:‏ عاينه واتني بخبره وضم إليَ خمسين رجلًا ووصلني بخمسة آلاف دينار وأعطاني ديتي عشرة آلاف درهم وأمر بإعطاء كل رجل معي ألف درهم ورزق ستة أشهر وأعطاني مائتي بغل يحمل الزاد والماء‏.‏

فشخصنا من سر من رأى بكتاب من الواثق إلى إسحاق بن إسماعيل صاحب أرمينية وهو بتفليس في إنفاذنا فكتب لنا إلى إسحاق صاحب السرير وكتب لنا ذاك إلى ملك الدان فكتب لنا إلى قلانشاه فكتب لنا إلى ملك الخرز وسرنا من عند ملك الخرز يومًا وليلة ثم وجه معنا خمسين رجلًا أدلاء فسرنا من عنده خمسة وعشرين يومًا ثم سرنا إلى أرض سوداء منتنة الريح وقد كنا تزودنا قبل دخولها طيبًَا نشمه للرائحة المكروهة فسرنا فيها عشرة‏.‏

أيام ثم صرنا إلى مدن خراب فسرنا فيها سبعة وعشرين يومًا فسألنا عن تلك المدن التي كان يأجوج ومأجوج طرقوها فخربوها ثم صرنا إلى حصون بالقرب من جبل السد في شعب منه‏.‏

وفي تلك الحصون قوم يتكلمون بالعربية والفارسية مسلمون يقرأون القرآن لهم كتاتيب ومساجد فسألوا‏:‏ من أين أقبلتم فأخبرناهم أنا رسل أمير المؤمنين فأقبلوا يتعجبون ويقولون‏:‏ أمير المؤمنين‏!‏ قلنا‏:‏ نعم فقالوا‏:‏ أشيخ هوأم شاب فقلنا‏:‏ شاب فتعجبوا وقالوا‏:‏ أين يكون قلنا‏:‏ بالعراق في مدينة يقال لهاسرمن رأى فقالوا‏:‏ ما سمعنا بهذا قط‏.‏

ثم سرنا إلى جبل أملس ليس عليه خضراء وإذا جبل مقطوع بواد عرضه مائة وخمسون ذراعًا وفيه السد وإذا عضادتان مبنيتان للمشي مما يلي الجبل من جنبتي الوادي عرض كل عضادة خمسة وعشرون ذراعًا الظاهر من تحتها عشرة أذرع خارج الباب وعليه بناء مكين من حديد مغيب في نحاس في سمك خمسين ذراعًا‏.‏

وإذا دروند حديد طرفاه على العضادتين طوله مائة وعشرون ذراعًا قد ركب على العضادتين على كل واحد بمقدار عشرة أذرع في عرض خمسة أذرع وفوق الدروند بناء بذلك الحديد المغيب في النحاس إلى رأس الجبل فىِ ارتفاعه مدّ البصر وفوق ذلك شرف حديد في كل شرفة قرنان يشير كل واحد منهما إلى صاحبه وإذا باب حديد مصراعين معلقين عرض كل مصراع خمسون ذراعًا في ارتفاع خمسين ذراعًا في ثخن خسمة أذرع وقائمتاهما في دوارة في قدر وعلي الباب قفل طوله سبعة أذرع في غلظ ذراع الاستدارة وارتفاء القفل من الأرض خمس وعشرون ذراعًا وفوق القفل بقدر خمس أذرع غلق طوله أكثر من طول القفل وقعر كل واحد منهما ذراعان وعلى الغلق مفتاح مغلق طوله ذراع ونصف وله اثنتا عشرة دندانجة كل واحد كدستج أكبر ما يكون من هاوون معلق في سلسلة طولها ثمانية أذرع في استدارة أربعة أشبار والحلقة التي فيها السلسلة مثل حلقة المنجنيق وعتبة الباب عشرة أذرع بسط مائة ذراع سوى ما تحت العضادتين والظاهر منها خمس أذرع وهذا الذراع كله بالذراع السوداء‏.‏

ورئيس تلك الحصون يركب في كل جمعة في عشرة فوارس مع كل فارس مرزبة حديد في كل واحدة خمسون ومائة منّ فيضرب القفل بتلك الموزبات في كل يوم مرّات ليسمع من نقباء الباب الصوت فيعلموا أن هنالك حفظة ويعلم هؤلاء أن أولئك لم يحدثوا في الباب حدثا وإذا ضرب أصحابنا القفل وضعوأ اذانهم فيسمعون بمن داخل دويًا‏.‏

وبالقرب من هذا الموضع حصن كبير يكون وعشرة فراسخ في عشر فراسخ بكسر مائة فرسخ ومع الباب حصنان يكون كل واحد منهما بمائتي ذراع قي مائتي ذراع وعلى باب هذين الحصنين شجرتان وبين الحصنين عين عذبة في أحد الحصنين آلة البناء الذي كان بني به السد من القدور والحديد والمغارف الحديد على كل أنصبة أربع قدور مثل قدور الصابون وهنالك بقية من اللبن قد التزق بعضها ببعض من الصداء واللبنة ذراع ونصف في سمك شبر‏.‏

وسألوا من هنالك‏:‏ هل رأوا أحدًا من يأجوج ومأجوج فذكروا أنهم رأوا مرّة عددًا فوق الشرف فهبت ريح سوداء فألقتهم إلى جانبهم فكان مقدار الرجل منهم في رأي العين شبرًا ونصفًا‏.‏

قال سلام الترجمان‏:‏ فلما انصرفنا أخذتنا الأدلاء إلى ناحية خراسان فسرنا إليها حتى خرجنا خلف سمرقند سبع فراسخ وقد كان أصحاب الحصون زودونا ما كفانا ثم صرنا إلى عبد اللّه بن طاهر‏.‏

قال سلام‏:‏ فوصلني بمائة ألف درهم ووصل كل رجل معي بخمسمائة درهم‏.‏

وأجرى للفارس خمسة دراهم وللراجل ثلاثة دراهم في كل يوم إلى الذي‏.‏

فرجعنا إلى سرمن رأى بعد خروجنا بثمانية وعشرين شهرًا‏.‏

وقد روى أن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم‏.‏

أخبرنا ابن الخصين أخبرنا ابن المذهب أخبرنا أخبرنا أحمد بن جعفر أخبرنا عبد اللّه بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي حدثنا حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة حدثنا أبو رافع عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لا إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدًا فيعودون إليه فيرونه أشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد اللّه عز وجل أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم‏:‏ ارجعوا فستحفرون غدًا إن شاء الله فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه ويتحصَّن الناس منهم في حصونهم فيرمون بسهامهم نحو السماء فترجع وعليها كهيئة الدم فيقولون‏:‏ قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء‏.‏

فيبعث الله عز وجل نغفًا في أقفائهم فيقتلهم بها ‏"‏‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر من لحومهم ودمائهم ‏"‏‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن مخلد حدثنا محمد بن عمرو بن البحتري حدثنا أبو طاهر أحمد بن بشر الدمشقي حدثنا سليمان بن عبد الرحمن حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبيه عن يحيى بن جابر عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه جبير بن نفير عن النواس بن سمعان الكلابي قاك‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يأجوج ومأجوج فقال‏:‏ ‏"‏ ليستوقد المسلمون من جعابهم وثيابهم وتراسيهم وقسيهم سبع سنين ‏"‏‏.‏

 ذكر أشياء جرت لذي القرنين في المسير

أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ أخبرنا محفوظ بن أحمد الفقيه أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجارزي حدثنا المعافى بن زكريا حدثنا عبد اللهّ بن محمد بن جعفر الأزدي حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثنا القاسم بن هاشم حدثنا الحكم بن نافع حدثنا صفوان بن عمرو بن عبد الرحمن بن عبد اللهّ الخزاعي‏:‏ أن ذا القرنين أتى على أمة من الأمم ليس في أيديهم شيء مما يستمتع به الناس من دنياهم وقد احتفروا قبورًا فإذا أصبحوا تعهدوا تلك القبور وكنسوها وصلّوا عندها ورعوا البقل كما ترعى البهائم وقد قيض لهم في ذلك معاش من نبات الأرض فأرسل ذو القرنين إلى ملكهم فقال الرسول‏:‏ أجب الملك فقال‏:‏ ما لي إليه حاجة فأقبل إليه ذو القرنين فقال‏:‏ إني أرسلت إليك لتأتيني فما أتيت فها أنا ذا قد جئتك فقال‏:‏ لو كانتَ لي إليك حاجة لأتيتك فقال له ذو القرنين‏:‏ ما لي أراكم على الحال التي رأيت لم أر أحدًا من الأمم عليها‏.‏

قالوا‏:‏ وما ذاك قال‏:‏ ليس لكم دنيا ولا شيء أفلا اتخذتم الذهب والفضة واستمتعتم بها فقال‏:‏ إنما كرهنا لأن أحدًا لم يعط منها شيئًا إلا تاقت نفسه إلى أفضل منه فقال‏:‏ ما بالكم قد احتفرتم قبورًا فإذا أصبحتم تعهدتموها وكنستموها وصليتم عندها قالوا‏:‏ أردنا‏:‏ إذا نظرنا إليها وألهتنا الدنيا منعت قبورنا من الأمل قال‏:‏ وأراكم لا طعام لكم إلا البقل من الأرض أفلا اتخذتم البهائم من الأنعام فاحتلبتموها وذبحتموها واستمتعتم بها فقالوا‏:‏ رأينا أن في نبات الأرض بلاغًا ثم بسط ملك تلك الأرض يده خلف ذي القرنين فتناول جمجمة فقال‏:‏ يا ذا القرنين أتدري من هذا‏.‏

قال‏:‏ لا من هو‏.‏

قال‏:‏ ملك من ملوك الأرض أعطاه اللّه سلطاناَ على أهل الأرض فغشم وظلم وعتى فلما رأى الله ذلك منه حسمه بالموت فصار كالحجر الملقى قد أحصى الله عليه عمله حتى يجازيه به في آخرته‏.‏

ثم تناول جمجمة أخرى إليه فقال‏:‏ يا ذا القرنين هل تدري من هذا‏.‏

قال‏:‏ لا من هذا‏.‏

قال‏:‏ ملك ملكه الله بعده قد كان يرى ما يصنع الذي قبله بالناس من الظلم والغشم التجبر فتواضع وخشع لله عز وجل وعمل بالعدل في أهل مملكته فصار كما ترى قد أحصى الله عليه عمله حتى يجزيه في آخرته شم أهوى إلى جمجمة ذي القرنين وقال‏:‏ وهذه الجمجمة تصير إلى ما صارتَ إليه هذه الجماجم فانظر يا عبد اللّه ما أنت صانع فقال له ذو القرنين‏:‏ هل لك في صحبتي فأتخذك وزيرًا وشريكًا فيما أنا فيه من هذا المال فقال‏:‏ ما أصلح أنا وأنت في مكان قال‏:‏ ولم قال‏:‏ من أجل أن الناس كلهم لك عدّو ولي صديق قال‏:‏ ولم ذلك قال‏:‏ يعادونك لما في يدك من الملك ولا أجد أحدًا يعاديني لرفضي ذلك فانصرف عنه ذو القرنين‏.‏

وذكروا أن ذا القرنين لما رجع عن سلوك الظلمة قصد بلاد خراسان فلما صار إلى نهر بلخ هاله أمره فأمرهم بشق الخشب الغلاظ وترقيقها ثم أمر الحدادين فضربوا المسامير ثمِ أمر بثلاثمائة سفينة فصنعت وأمر بحبال من ليف وبحبال من قنب فصنعت غلاظًا طوالاَ فأمر ببناء جسر من جانبي النهر وشدت تلك الحبال منهما ممدودًا على الماء عرضًا وجعلت السفن جسرًا بين الحبال في صدور السفن وفي إعجازها لتمسكها ثم أمر بالخشب فقطع بمقدار عرض السفن وقصدت سقفًا وهيل عليه التراب ولب بالماء حتى اطمأن ونشف فلما أمكن العبورعليه عبره بجيوشه سائرًا إلى قومس فاشتكى فأخذه الرعاف حتى مات في طريقه وقد كان حين بلغ الصين أمر بمدن كثيرة فبنيت هنالك فمنها‏:‏ الدبواسية وحمدان وشيرك وبرج الحجارة وكذلك أمرحين بلغ الهند فبنى هنالك مدينة سرنديب وله غير هذه الأبنية في النواحي التي طافها‏.‏

أخبرنا ابن الحصين أخبرنا أبو علي بن المذهب أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان أخبرنا عبد اللّه بن أحمد بن حنبل قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ حدثني الحسن بن يحيى من أهل مرو حدثنا أوس بن عبد اللهّ بن بريدة قال‏:‏ أخبرني أخي سهل بن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن جده بريدة قاك‏:‏ سمعت رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ سيكون بعدي بعوث كثيرة فكونوا في بعث خراسان ثم انزلوا مدينة مرو فإنه بناها ذو القرنين ودعا لها بالبركة ولا يضر أهلها بسوء ‏"‏‏.‏

ذكر وفاته

قد روينا أن الخضر شرب من عين الحياة وفاتت ذا الفرنين فزعم أقوام أنها لما فاتته اغتم فقال له الحساب‏:‏ لا تحزن إنا نرى لك مدة وإنك لا تموت إلا على أرض من حديد وسماء من خشب فانصرف راجعًا يريد الروم فأقبل يدفن كنوز كل أرض بها ويكتب ذكر ذلك ومبلغ ما دفن وموضعه وحمل الكتاب معه حتى بلغ بابل فرعف وهو في مسير فسقط عن دابته فبسط له درع وكانت الدروع إذ ذاك صفائح فنام على تلك الدرع فآذته الشمس فدعوا ترسًا فأظلوه تطرفًا فإذا هو مضطج على حديد وفوقه خشب فقال‏:‏ هذه أرض من حديد وسماء من خشب فأيقن الموت‏.‏

ذكركتابه إلى أمه يعزيها عن نفسه أنبأنا ثابت بن يحيى بن بندار قال‏:‏ أخبرني أبي أخبرنا أبو علي الحسن بن الحسين بن دوما أخبرنا مخلد بن جعفر بن مخلد الباقرجي أخبرنا الحسن بن علي القطان أخبرنا إسماعيل بن عيسى العطار أخبرنا أبوحذيفة إسحاق بن بشر القرشي عن عبد اللهّ بن زياد قال‏:‏ حدثني بعض من قرأ الكتب‏:‏ أن ذا القرنين لما رجع من مشارق الأرض ومغاربها بلغ أرض بابل فمرض مرضًا شديدًا أشفق من مرضه أن يموت بعدما دَوَّخَ البلاد وجمع الأموال فنزل بابل فدعا كاتبه فقال‏:‏ خفِّفْ عليَّ في الموتة بكتاب تكتبه إلى أمي تعزيها بي واستعن ببعض علماء أهل فارس ثم اقرأه عليّ‏.‏

فكتب الكتاب‏.‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم من الإسكندر بن قيصر رفيق أهل الأرض بجسده قليلًا ورفيق أهل السماء بروحه طويلًا إلى أمه روقية ذات الصفاء التي لم تمتع بثمرتها في دار القرب وهي مجاورته عما قليل في دار البعد يا أمتاه يا ذات الحكمة أسألك برحمتي وودي وولادتك إياي هل وجدت لشيء قرارًا باقيًا وخيالًا دائمًا ألم تري إلى الشجرة كيف تنضر أغصانها وتخرج ثمرتها وتلتف أوراقها ثم لا يلبث الغصن أن يتهشم والثمر أن يتساقط والورق أن يتباين‏.‏

ألم تري النبت الأزهر يصبح نضيرًا ثم يمسي هشيمًا‏.‏

ألم تري إلى النهار المضيء ثم يخلفه الليل المظلم‏.‏

ألم تري إلى القمر الزاهر ليلة بدره كيف يغشاه الكسوف‏!‏ ألم تري إلى شهب النار الموقدة ما أوشك ماتخمد‏!‏ ألم تري إلى عذب المياه الصافية ما أسرعها إلى البحور المتغيرة‏.‏

ألم تري إلى هذا الخلق كيف يعيش في الدنيا قد امتلأت منه الافاق واستعلت به الأشياء وولهت به الأبصار والقلوب‏.‏

إنما هما شيئان‏:‏ إما مولود وإما ميت كلاهما مقرون بالفناء أنم تري أنه قيل لهذه الدار روحي بأهلك فإنك لست لهم بدار‏.‏

يا واهبة الموت ويا موروثة الأحزان ويا مفرقة بين الأحبة ويا مخربة العمران ألم تري إلى كل مخلوق يجري على ما لا يدري هل رأيت يا أماه معطيًا لا يأخذ ومقرضًا لا يتقاضى ومستودعًا لا يسترد وديعته‏!‏ يا أماه إن كان أحد بالبكاء حقيقًا فلتبك السماء على نجومها ولتبك الحيتان على بحورها وليبك الجوعلى طائره ولتبك الأرض على أولادها والنبت الذي يخرج منها وليبك الإنسان على نفسه التي تموت في كل ساعة وعند كل طرفة‏.‏

يا أمتاه إن الموت لا يعتقني من أجل أني كنت عارفًا أنه نازل بي فلا يتعبك الحزن فإنك لم تكوني جاهلة بأني من الذين يموتون‏.‏

يا أمتاه إني كتبت كتابي هذا وأنا أرجوأن تعتبري به ويحسن موقعه منك فلا تخلفي ظني ولا تحزني روحي يا أمتاه إني قد علمت يقينًا أن الذي أذهب إليه خير من مكاني الذي أنا فيه وأطهر من الهموم والأحزان والأسقام والنصب والأمراض فاغتبطم لي بمذهبي واستعدي لاتباعي يا أمتاه إن ذكري قد انقطع من الدنيا وما كنت أذكر به من الملك والرأي فاجعلي لي من بعدي ذكرًا أذكر به في حلمك وصبرك والرضا بما يقول الحكماء يا أمتاه إن الناس سينظرون إلى هذا منك وهم راض وكاره ومستمع وقائل فأحسني إلي وإلى نفسك في ذلك يا أمتاه السلام في هذا الدار قليل زائل فليكن عليك وعلينا في دار الأزل السلام الدائم‏.‏

فتفكري بفهم وديعة نفسك أن تكوني شبه النساء في الجزع كما كنت لا أرضى شبه الرجال في الاستكانة والضعف ولم يكن ذلك يرضيك في‏.‏

ثم مات رحمه اللّه‏.‏

وفي رواية أنه كان في كتابه إليها‏:‏ أيا أماه اصنعي طعامًا واجمعي من قدرت عليه من نساء أهل المملكة ولا يأكل طعامك من أصيب بمصيبة‏.‏

فصنعت طعامًا وجمعت الناس وقالت‏:‏ لا يأكل من أصيب بمصيبة قط فلم يأكل أحد فعلمت ما أراد‏.‏

فلما حمل تابوته إليها تلفتت بعظماء أهل المملكة فلما رأته قالت‏:‏ يا ذا الذي بلغِ السماء حلمه وجاز أقطار الأرض ملكه ودانت الملوك عنوة له مالك اليوم نائماَ لا تستيقظ وساكتًا لا تتكلم من بلغك عني بأنك وعظتني فاتعظت وعزيتني فتعزَيت فعليك السلام حيًّا وميتًا‏.‏

ثم أمرت بدفنه‏.‏

واختلف في قدر عمره فذكر عن أهل الكتاب أنه عاش ثلاثة آلاف سنة‏.‏

وذكر أبو بكربن أبي خيثمة أنه عاش ألفًا وستمائة سنة‏.‏

فأما من يقول عاش نحوًا من أربعين سنة فإنما اشتبه عليه بالإسكندر اليوناني وذلك يأتي ذكره ومن الحوادث وفاة الخليل صلوات اللّه عليه وسلامه لما أراد اللّه عز وجل قبض إبراهيم أمر ملك الموت أن يتلطف له‏.‏

فروى السدي عن أشياخه قال‏:‏ كان إبراهيم يطعم الناس ويضيفهم فبينا هو يطعم الناس إذا هو بشيخ كبيريمشي في الحر فبعث إليه بحصان فركبه حتى إذا أتاه أطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها فاه فيدخلها في عينه وأذنه ثم يدخلها فاه فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره وكان إبراهيم قد سأل ربه أن لا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت‏.‏

فقال إبراهيم للشيخ‏:‏ ما بالك يا شيخ تصنع هذا قال‏:‏ يا إبراهيم الكبر قال‏:‏ ابن كم أنت قال‏:‏ فزاد على عمر إبراهيم سنتين فقال إبراهيم‏:‏ إنما بيني وبينك سنتان فإذا بلغت ذلك صرت مثلك قال‏:‏ نعم قال إبراهيم‏:‏ اللهم أقبضني إليك فقام الشيخ فقبض نفسه‏.‏

واختلفوا في قدر عمر إبراهيم فقال قوم‏:‏ مائتا سنة‏.‏

وقال آخرون‏:‏ مائة وخمس وسبعون‏.‏

ودفن عند قبر سارة في مزرعة حَبْرُون‏.‏